ابن قيم الجوزية

37

الروح

قلت : وأين أنت ؟ قال : أنا واللّه في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اللّه المزني « 1 » فنتلقى أخباركم ، قلت : أجسامكم أم أرواحكم ؟ قال : هيهات « 2 » بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح . المسألة الثالثة ( وهي هل تتلاقى أرواح الاحياء وأرواح الأموات أم لا ؟ ) شواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من يحصيها إلا اللّه تعالى ، والحس والواقع من أعدل الشهود بها ، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الاحياء ، وقد قال تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ « 3 » . ( قال ) أبو عبد اللّه بن منده : حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم ، حدثنا عبد اللّه بن حسين الحراني وحدثنا جدي أحمد بن شعيب حدثنا موسى بن أعين عن مطرف عن جعفر أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : بلغني أن أرواح الاحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك اللّه أرواح الموتى ويرسل أرواح الاحياء إلى أجسادها . وقال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا عبد اللّه بن سليمان ، حدثنا الحسين ، حدثنا عامر ، حدثنا أسباط عن السدي وفي قوله تعالى : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها قال : يتوفاها في منامها فيلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران

--> ( 1 ) هو أبو عبد اللّه بكر بن عبد اللّه المزني البصري الفقيه ، روى عن المغيرة ابن شعبة وجماعة ، توفي سنة ثمان ومائة . ( 2 ) كلمة تبعيد ، وهي مبنية على الفتح ، وأناس يكسروها على كل حال . ( 3 ) سورة الزمر ، الآية 42 ، ذكر في التسهيل ( 3 / 196 ) : هذه الآية للاعتبار ، ومعناها أن اللّه يتوفى النفوس على وجهين : أحدهما وفاة كاملة حقيقة وهي الموت ، والآخر وفاة النوم لأن النائم كالميت في كونه لا يبصر ولا يسمع ، ومنه قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وفي الآية عطف ، والتقدير : ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها .